مقالات تثقيفية
من الصحراء إلى الأسواق.. العتبات المقدسة تعيد رسم خريطة الاستثمار الزراعي في العراق
✍️ هيئة تحرير علوة نيوز
📅 ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦
العتبات المقدسة تدخل ميدان الاستثمار الزراعي في العراق.. مشاريع تمتد من الصحراء إلى مصانع الغذاء وتفتح أسئلة المنافسة والأمن الغذائي
لم تعد المشاريع الزراعية في العراق مقتصرة على المزارعين والشركات الاستثمارية والمؤسسات الحكومية، فقد برزت خلال السنوات الأخيرة تجربة جديدة تقودها العتبات المقدسة، من خلال استثمارات زراعية امتدت إلى استصلاح الأراضي الصحراوية، وزراعة المحاصيل الاستراتيجية، وإنتاج الخضراوات والتمور، وتطوير الثروة النباتية، وصولاً إلى التخطيط لإنشاء مصانع للصناعات الغذائية والتحويلية.
وتكشف هذه المشاريع عن تحول في طبيعة الدور الاقتصادي الذي تؤديه المؤسسات الدينية، ولا سيما العتبتان الحسينية والعباسية، اللتان اتجهتا إلى إنشاء منظومات إنتاج زراعي تتجاوز حدود الزراعة التقليدية، لتشمل مراحل الإنتاج والتصنيع والتسويق.
لكن خلف هذه المشاريع تبرز أسئلة اقتصادية مهمة: ما حجم تأثيرها الفعلي على الإنتاج الزراعي العراقي؟ وهل تستطيع المساهمة في تقليل الاستيراد وتعزيز الأمن الغذائي؟ وكيف ستنعكس توسعاتها على المزارعين والتجار وأسواق الجملة؟
من النشاط الخدمي إلى الاستثمار الزراعي
شهدت كربلاء توسعاً في المشاريع الزراعية التابعة للعتبات المقدسة، خصوصاً في المناطق الصحراوية التي كانت تواجه صعوبات في الاستغلال الزراعي.
وتبرز العتبة العباسية المقدسة من خلال شركة الكفيل للاستثمارات العامة، والعتبة الحسينية المقدسة من خلال هيئتها الزراعية وأقسامها المتخصصة، باعتبارهما من أبرز الجهات التي دخلت هذا المجال بمشاريع متنوعة.
ولا يقتصر توجه هذه المؤسسات على إنتاج المحاصيل للاستهلاك المباشر، بل يمتد إلى زراعة المواد الأولية للصناعات الغذائية، وإنتاج الشتلات والتمور، وتطوير أنظمة الري، واستثمار الأراضي غير المستغلة.
ويمثل هذا التوجه نموذجاً مختلفاً للاستثمار الزراعي في العراق، إذ يجمع بين التمويل المؤسسي والإدارة الفنية واستثمار الأراضي على نطاق واسع.
مشروع الساقي.. 11 ألف دونم تتحول إلى مشروع زراعي في صحراء كربلاء
يُعد مشروع الساقي الزراعي التابع للعتبة العباسية المقدسة من أبرز النماذج التي توضح حجم هذا التوسع.
فبحسب بيانات نشرتها شبكة الكفيل الرسمية في 22 آب 2026، تبلغ مساحة المشروع نحو 11 ألف دونم، ويضم جزء منه قرابة 40 ألف نخلة موزعة على أكثر من 100 صنف من أصناف النخيل المحلية والعربية.
وتعود بداية زراعة أول نخلة في المشروع إلى عام 2017، بعد استثمار أرض صحراوية قاسية وتحويل أجزاء منها إلى بيئة زراعية منتجة.
ويعتمد المشروع على الري بالتنقيط لتقليل استهلاك المياه، مع استخدام الطاقة الشمسية لتشغيل مضخات المياه، فضلاً عن الاستفادة من المخلفات الزراعية وسعف النخيل في إنتاج الأسمدة العضوية.
ولا تتوقف أهمية المشروع عند إنتاج التمور، إذ يرتبط أيضاً بمعمل الدبس التابع للعتبة، ومنافذ تسويق المنتجات الغذائية.
وهنا تظهر أهمية الربط بين الزراعة والتصنيع، فبدلاً من تسويق المحصول مادة خام فقط، يمكن تحويله إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية أعلى.
البطاطا الصناعية.. محاولة لربط المزرعة بالمصنع العراقي
من المشاريع التي تستحق الاهتمام مشروع الفردوس الزراعي التابع للعتبة العباسية، والمتخصص في إنتاج البطاطا الصناعية في صحراء كربلاء.
وتختلف البطاطا الصناعية عن البطاطا الموجهة للاستهلاك المنزلي من حيث الأصناف والخصائص المطلوبة للتصنيع، إذ تستخدم في إنتاج رقائق البطاطا ومنتجات الشيبس والفنكر.
وتقول العتبة العباسية إن إنتاج المشروع يُسوّق إلى شركات محلية متخصصة في التصنيع الغذائي، بهدف توفير المواد الأولية للمصانع وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
وتكمن أهمية هذه التجربة في أنها تستهدف حلقة مهمة من حلقات الاقتصاد الزراعي العراقي، وهي توفير المادة الخام المحلية للصناعات الغذائية.
فنجاح هذا النوع من المشاريع لا يقاس فقط بكمية البطاطا المنتجة، بل بقدرة المصانع العراقية على الاعتماد عليها بصورة مستمرة، وبجودة ومواصفات مناسبة، وبأسعار منافسة للمنتج المستورد.
مزرعة فدك.. مشروع للنخيل وإحياء الإنتاج التمري
في الجانب الآخر، تمثل مزرعة فدك للنخيل التابعة للعتبة الحسينية المقدسة أحد المشاريع الزراعية البارزة في محافظة كربلاء.
وتبلغ مساحة المزرعة الإجمالية نحو 2000 دونم، وتستهدف استيعاب نحو 70 ألف نخلة، مع تنوع أصناف التمور المزروعة فيها.
وبحسب إعلان الهيئة الزراعية في العتبة الحسينية بتاريخ 8 أيلول 2025، بلغ إنتاج المزرعة 140 طناً من التمور في العام السابق، مع توقعات بزيادة الإنتاج نتيجة تطوير الأصناف وتحسين أساليب الزراعة.
كما تتضمن التجربة الاهتمام بالبنك الوراثي للنخيل وتكثير الأصناف عالية الجودة، وهو جانب مهم للحفاظ على التنوع الوراثي لأحد أهم المحاصيل التاريخية والاقتصادية في العراق.
وتكتسب هذه المشاريع أهمية إضافية في ظل امتلاك العراق إرثاً زراعياً كبيراً في إنتاج التمور، وإمكانية تحويل جزء أكبر من هذا الإنتاج إلى منتجات مصنعة قابلة للتسويق والتصدير.
الحنطة والمحاصيل الاستراتيجية.. دعم الإنتاج المحلي
لم يقتصر نشاط العتبات على النخيل والخضراوات والبطاطا، بل امتد إلى زراعة الحنطة، التي تمثل أحد أهم المحاصيل الاستراتيجية المرتبطة بالأمن الغذائي العراقي.
وأعلنت العتبة العباسية في أحد مواسمها الزراعية عن زراعة 1000 دونم من الحنطة ذات الرتب العالية في مشروع الساقي، باستخدام المرشات المحورية والوسائل الميكانيكية الحديثة.
كما شهدت مواسم سابقة حصاد 840 دونماً من الحنطة، مع توريد المحصول إلى محطات البذور التابعة لوزارة الزراعة، بحسب بيانات المشروع.
أما العتبة الحسينية، فقد عملت على توسيع مشاريع الحبوب ضمن خططها الزراعية، من خلال زيادة المساحات المزروعة وإضافة المرشات المحورية.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في دعم الإنتاج المحلي، وتوفير الحبوب والبذور، وتوسيع التجارب الزراعية في المناطق التي يمكن استثمارها لإنتاج المحاصيل الاستراتيجية.
لكن لا ينبغي الخلط بين مساهمة هذه المشاريع في الإنتاج الوطني وبين تحقيق الاكتفاء الذاتي على مستوى العراق، فذلك يحتاج إلى مقارنة الإنتاج الفعلي بالطلب المحلي وحجم الاستيراد.
الصناعات التحويلية.. المرحلة الجديدة من الاستثمار الزراعي
من أبرز التطورات التي أعلنت عنها العتبة الحسينية المقدسة في أيلول 2026 التوجه نحو إنشاء معامل للصناعات التحويلية بالتعاون مع شركات متخصصة.
وتتضمن الخطط المعلنة معامل لتصنيع التمور، وإنتاج الدبس والخل، إلى جانب التوسع في الزراعات المحمية لإنتاج الطماطم والخيار والباذنجان.
ويمثل هذا التحول خطوة مهمة من حيث المبدأ، لأن أحد التحديات المزمنة التي تواجه الزراعة العراقية يتمثل في ضعف الربط بين الإنتاج الزراعي والتصنيع الغذائي والتخزين والتسويق.
فالمزارع الذي ينتج كميات كبيرة من محصول موسمي قد يضطر إلى بيعها بأسعار منخفضة عندما يتزامن الحصاد مع وفرة المعروض، أو قد يتعرض جزء من إنتاجه للتلف بسبب نقص مرافق التبريد والتخزين.
أما وجود مصانع قادرة على شراء المحاصيل وتحويلها إلى منتجات غذائية، فيمكن أن يخلق طلباً أكثر استقراراً على الإنتاج الزراعي، ويقلل الهدر، ويرفع القيمة المضافة للمنتج المحلي.
ومع ذلك، فإن هذه المصانع وردت ضمن خطط وتوجهات معلنة، ولا يصح اعتبارها جميعاً منشآت دخلت مرحلة التشغيل الفعلي.
هل تنافس مشاريع العتبات المزارع العراقي؟
هذا السؤال من أهم الجوانب الاقتصادية التي ينبغي مناقشتها عند تقييم توسع المؤسسات الكبيرة في القطاع الزراعي.
فدخول جهات تمتلك قدرات تمويلية وإدارية وفنية إلى مجال الإنتاج يمكن أن يسهم في زيادة المعروض من المحاصيل وتحسين بعض حلقات التسويق، لكنه قد يفرض في الوقت نفسه تحديات تنافسية على المزارعين الصغار.
فعندما تدخل كميات كبيرة من محصول معين إلى السوق في فترة زمنية قصيرة، قد تتراجع الأسعار، خصوصاً إذا لم تكن هناك منظومة قادرة على التخزين أو التصنيع أو تنظيم التسويق.
وفي المقابل، يمكن لهذه المشاريع أن تتحول إلى فرصة للمزارعين المحليين إذا اتجهت إلى شراء إنتاجهم، والتعاقد معهم، وتوفير البذور والشتلات والخبرات الفنية، وربطهم بالمصانع ومراكز التوزيع.
ومن هنا، فإن التأثير الحقيقي لا يتعلق فقط بحجم إنتاج المشاريع التابعة للعتبات، بل بطبيعة علاقتها ببقية المنتجين داخل السوق العراقية.
شح المياه.. التحدي الأكبر أمام التوسع الزراعي
على الرغم من أهمية استصلاح الأراضي الصحراوية، فإن التوسع الزراعي في العراق يواجه تحدياً أساسياً يتمثل في الموارد المائية.
وفي مقابلة منشورة في تموز 2025، تحدث رئيس الهيئة الزراعية في العتبة الحسينية عن الصعوبات المرتبطة بشح المياه وارتفاع الملوحة في بعض الآبار، ولا سيما في المناطق الصحراوية.
وتعتمد بعض المشاريع على المياه الجوفية، ما يجعل إدارة الاستهلاك ومراقبة نوعية المياه أمراً ضرورياً لاستمرار الإنتاج.
كما أن استخدام الطاقة الشمسية والري بالتنقيط يمثلان أدوات مهمة لتحسين كفاءة التشغيل، لكنهما لا يعالجان وحدهما مشكلة محدودية الموارد المائية.
لذلك فإن مستقبل هذه المشاريع يرتبط بمدى اعتمادها على دراسات هيدرولوجية دقيقة، واختيار المحاصيل المناسبة، ومراقبة مستويات المياه الجوفية وملوحتها، وتجنب الاستنزاف طويل الأمد.
ماذا تقول الأرقام الرسمية عن واقع الزراعة العراقية؟
توضح بيانات هيئة الإحصاء ونظم المعلومات الجغرافية التابعة لوزارة التخطيط أن القطاع الزراعي العراقي يواجه تذبذباً واضحاً في الإنتاج بين المواسم.
فقد بلغ إنتاج الحنطة في العراق نحو 5.234 مليون طن عام 2024، وفق المؤشرات الإحصائية المنشورة.
وفي المقابل، أظهرت بيانات عام 2025 تراجعاً في إنتاج عدد من الخضراوات مقارنة بالعام السابق.
وبحسب تقرير إحصائي نقلته وكالة شفق نيوز عن بيانات رسمية، انخفض إنتاج الطماطم إلى نحو 258.7 ألف طن عام 2025، مقارنة بنحو 463.7 ألف طن عام 2024، أي بتراجع بلغ 44.2%.
كما انخفض إنتاج الخيار بنسبة 51.9%، والباذنجان بنسبة 58.3%، وفق التقرير نفسه.
وأرجعت البيانات التراجع إلى محددات الري وانخفاض الحصص المائية والتحديات البيئية والمناخية.
وتكشف هذه الأرقام أن زيادة الاستثمار الزراعي أصبحت مرتبطة بتحديات تتجاوز توفير الأراضي والتمويل، وفي مقدمتها المياه واستقرار الإنتاج والقدرة على مواجهة التغيرات المناخية.
كما أن هذه المؤشرات تخص نطاق المسح الإحصائي المنشور، ولا يجوز تعميمها دون مراعاة المحافظات المشمولة به.
هل تستطيع العتبات المساهمة في تغيير خريطة الغذاء العراقي؟
من الصعب تحديد حجم مساهمة العتبات المقدسة في إجمالي الإنتاج الزراعي العراقي من دون وجود إحصاءات موحدة تجمع إنتاج جميع مشاريعها وتقارنه بالإنتاج الوطني.
لكن المشاريع المعلنة تقدم مؤشرات على توسع واضح في الاستثمار الزراعي المؤسسي، وتكشف عن إمكانات يمكن أن تؤثر في عدد من الأسواق المحلية، خصوصاً في كربلاء والمحافظات القريبة منها.
وتبرز أمام هذه التجربة مجموعة من الفرص:
- زيادة إنتاج بعض المحاصيل المحلية.
- توفير مواد خام للمصانع الغذائية.
- تطوير زراعة النخيل وإنتاج التمور.
- استصلاح أجزاء من الأراضي الصحراوية.
- توفير فرص عمل للمهندسين والعمال والفنيين.
- تطوير تقنيات الري والإنتاج الزراعي.
- تقليل بعض فجوات الاستيراد عندما تتوافر كميات محلية بجودة وأسعار منافسة.
لكن تحقيق هذه النتائج على نطاق وطني يتطلب استمرار الإنتاج، وتطوير التسويق، وإقامة شراكات مع القطاع الخاص والمزارعين، ونشر مؤشرات واضحة عن كميات الإنتاج والتكاليف والمبيعات.
المرحلة المقبلة.. من إنتاج المحاصيل إلى بناء منظومة غذائية متكاملة
إن التوسع الزراعي الذي تقوده العتبات المقدسة يطرح فرصة مهمة أمام الاقتصاد العراقي، تتمثل في الانتقال من المشاريع التي تركز على إنتاج المحاصيل فقط إلى منظومة متكاملة تشمل الزراعة والتصنيع والتخزين والنقل والتوزيع.
وتزداد أهمية هذه الخطوة في ظل التحديات التي تواجه المزارعين العراقيين، من شح المياه إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وتقلب الأسعار ومنافسة المنتجات المستوردة.
ومن الممكن أن تتعاظم نتائج هذه التجربة إذا اتجهت المشاريع الكبرى إلى بناء علاقات إنتاجية مع المزارعين المحليين، وتوفير منافذ تسويقية مستقرة لهم، بدلاً من الاقتصار على إنتاج المحاصيل داخل المزارع التابعة لها.
الخلاصة:
تجربة العتبات المقدسة في الاستثمار الزراعي لم تعد مجرد مشاريع زراعية متفرقة، بل أصبحت اتجاهاً اقتصادياً يستحق المتابعة والتحليل، لما يحمله من إمكانات في الإنتاج والتصنيع واستصلاح الأراضي وتطوير الأمن الغذائي.
غير أن نجاح هذه التجربة لن يُقاس بعدد الدونمات المزروعة أو عدد الأشجار المغروسة وحده، بل بقدرتها على تحقيق إنتاج مستدام، وحماية الموارد المائية، وخلق قيمة اقتصادية حقيقية، ودعم المزارع العراقي، وتوفير منتجات تنافس المستورد في الأسواق.
ويبقى السؤال الأهم أمام مستقبل الزراعة العراقية: هل تتحول هذه المشاريع إلى نموذج شراكة يربط المؤسسات الاستثمارية بالمزارعين والأسواق والمصانع، أم تبقى تجارب إنتاجية منفصلة عن بقية منظومة القطاع الزراعي؟
علوة نيوز – أخبار الزراعة والإنتاج والأسواق الزراعية.